الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
177
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على حالة لو أن في البحر حاتما * على جوده لضنّ بالماء حاتم والظرفية مجازية . ويجوز أن تكون عَلى للاستعلاء المجازي ، أي ملابسا لأمر قد قدر ومتمكنا منه . ومعنى التمكن : شدة المطابقة لما قدر ، وأنه لم يحد عنه قيد شعرة . والأمر : الحال والشأن وتنوينه للتعظيم . ووصف الأمر بأنه قَدْ قُدِرَ ، أي أتقن وأحكم بمقدار ، يقال : قدره بالتخفيف إذا ضبطه وعينه كما قال تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] ومحل عَلى أَمْرٍ النصب على الحال من الماء . واكتفي بهذا الخبر عن بقية المعنى ، وهو طغيان الطوفان عليهم اكتفاء بما أفاده تفريع فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ كما تقدم انتقالا إلى وصف إنجاء نوح من ذلك الكرب العظيم ، فجملة وَحَمَلْناهُ معطوفة على التفريع عطف احتراس . والمعنى : فأغرقناهم ونجّيناه . و ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ صفة السفينة ، أقيمت مقام الموصوف هنا عوضا عن أن يقال : وحملناه على الفلك لأن في هذه الصفة بيان متانة هذه السفينة وإحكام صنعها . وفي ذلك إظهار لعناية اللّه بنجاة نوح ومن معه فإن اللّه أمره بصنع السفينة وأوحى إليه كيفية صنعها ولم تكن تعرف سفينة قبلها ، قال تعالى : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا [ هود : 36 ، 37 ] ، وعادة البلغاء إذا احتاجوا لذكر صفة بشيء وكان ذكرها دالا على موصوفها أن يستغنوا عن ذكر الموصوف إيجازا كما قال تعالى : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ [ سبأ : 11 ] ، أي دروعا سابغات . والحمل : رفع الشيء على الظهر أو الرأس لنقله وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ [ النحل : 7 ] وله مجازات كثيرة . والألواح : جمع لوح ، وهو القطعة المسوّاة من الخشب . والدسر : جمع دسار ، وهو المسمار . وعدي فعل ( حملنا ) إلى ضمير نوح دون من معه من قومه لأن هذا الحمل كان إجابة